أبو الليث السمرقندي
89
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عِنْدَهُ يعني : لا تنفع لأحد لا نبيا ولا ملكا إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع لأحد من أهل التوحيد . قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين ، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ بالنصب . يعني : حتى يأذن اللّه عز وجل له . قرأ الباقون . بالضم على فعل ما لم يسم فاعله . ومعناه : مثل الأول . ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجدا من مخافة اللّه عز وجل ، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وذلك أن أهل السماوات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد - عليهما السلام - ، فسمعوا صوتا كوقع الحديد على الصفا فخروا سجدا مخافة القيامة وذلك صوت الوحي . ويقال : صوت نزول جبريل - عليه السلام - فخروا سجدا مخافة القيامة فهبط جبريل - عليه السلام - على أهل كل سماء فذلك قوله : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ . وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال : إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما ، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) [ الحجر : 14 ] كقوله : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [ الأنبياء : 96 ] حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [ سبأ : 23 ] يعني : لما فزع عن قلوبهم . ومعناه : انجلاء الفزع عن قلوبهم ، فقاموا عن السجود ، وسأل بعضهم بعضا قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ يعني : ماذا قال جبريل - عليه السلام - عن ربكم قالُوا الْحَقَّ يعني : الوحي . قال : حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه اللّه . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا الدبيلي . قال : حدّثنا أبو عبد اللّه . قال : حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا قضى اللّه في السّماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، وسمع لذلك صوت كأنّها سلسلة على صفوان فإذا فزّع عن قلوبهم قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ الّذي قال : فسيحي الشّياطين بعضهم فوق بعض . فإذا سمع الأعلى منهم الكلمة ، رمى بها إلى الذي تحته وربّما أدركه الشّهاب قبل أن ينبذها وربّما نبذها قبل أن تدركه ، فينبذها ، بعضهم إلى بعض حتّى تنتهي إلى الأرض ، فتلقى على لسان الكاهن والسّاحر ، فيكذب معها مائة كذبة ، فيصدّق فيقول ، أليس قد أخبر بكذا وكذا ، وكان حقّا وهي الكلمة الّتي سمع من السّماء » . قرأ ابن عامر حَتَّى إِذا فُزِّعَ بنصب الفاء والزاي يعني : كشف اللّه الفزع . وقرأ الباقون : بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله . وقرأ الحسن حَتَّى إِذا فُزِّعَ بالواو والغين يعني : فرغ الفزع عن قلوبهم . وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع . وقال مجاهد : معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني : هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك .